صديق الحسيني القنوجي البخاري

103

فتح البيان في مقاصد القرآن

فإن معنى هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ طلب النظرة والامهال ، وأما قوله : أَ فَبِعَذابِنا الخ فالمراد به الرد عليهم ، والانكار لما وقع منهم من قولهم فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال : 32 ] وقولهم : فَأْتِنا بِما تَعِدُنا [ الأعراف : 70 ] حيث استعجلوا ما فيه ضررهم ، وحتف أنفسهم ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، أي أيكون حالهم كما ذكر عند نزول العذاب ؟ فيستعجلون به وبينهما من التنافي ما لا يخفى على أحد ، أو أيغفلون عن ذلك مع تحققه وتقرره فيستعجلون ، وتقديم الظرف لرعاية الفواصل . أَ فَرَأَيْتَ الاستفهام للانكار ، والفاء للعطف على مقدر يناسب المقام ومعنى رأيت أخبرني والخطاب لكل من يصلح له إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ في الدنيا متطاولة ، وطولنا لهم الأعمار ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ من العذاب والهلاك . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 207 إلى 218 ] ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ( 207 ) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ ( 208 ) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ ( 209 ) وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ( 210 ) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ ( 211 ) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ( 212 ) فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ( 213 ) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 215 ) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 216 ) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( 217 ) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ( 218 ) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ أي أيّ شيء أو أيّ إغناء أغنى عنهم كونهم ممتعين ذلك التمتع الطويل المديد ، والاستفهام للانكار التقريري و ( ما ) في ( ما كانوا ) مصدرية أو موصولة ، وقيل ( ما ) الأولى نافية والثانية مصدرية أي لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع العذاب ، وتخفيفه وقرىء يمتعون من أمتع اللّه زيدا بكذا . وعن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له عظني فلم يزده على تلاوة هذه الآية ، فقال ميمون قد وعظت فأبلغت وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقرأها عند جلوسه للحكم . وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ من مزيدة للتأكيد ، أي وما أهلكنا قرية من القرى إلا بعد الانذار والاعذار بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب ذِكْرى بمعنى تذكرة أي يذكرون ذكرى ، قال النحاس وهذا قول صحيح لأن معنى إلا لها منذرون إلا لها مذكرون ، أو التقدير إنذارنا ذكرى ، أو ذلك ذكرى قال ابن الأنباري هي ذكرى ، أو نذكرهم ذكرى وقيل ينذرونهم ذوي تذكرة أو لأجل التذكرة ، وبه صرح أبو البقاء أي تنذرهم لأجل تذكيرهم بالعواقب ، وقد رجح الأخفش أنها خبر مبتدأ محذوف والجملة اعتراضية .